حرب الغلاف الصخري: فنزويلا وإفريقيا في صراع المعادن العالمي - جريدة الراي

بتاريخ :السبت 10 يناير 2026

الناشر :علي التركي   عدد المشاهدات : 207 مشاهدات

حرب الغلاف الصخري: فنزويلا وإفريقيا في صراع المعادن العالمي - جريدة الراي 

بقلم د/ احمد عبده

ما يحدث في فنزويلا اليوم ليس خلافًا سياسيًا عاديًا، وليس صراعًا على حكم أو انتخابات، بل صراع على ما يوجد تحت الأرض. العالم دخل مرحلة جديدة من الحروب يمكن تسميتها بوضوح: حرب على المعادن والموارد الطبيعية، أو ما يمكن وصفه بحرب الغلاف الصخري.

فنزويلا تُعد من أغنى دول العالم من حيث الثروات الأرضية. تحت أراضيها توجد كميات ضخمة من النفط الثقيل جدًا، وهو نفط صعب الاستخراج لكنه الأكبر عالميًا من حيث الاحتياطي. هذا النوع من النفط تحتاجه الدول الصناعية الكبرى لأنه يضمن إمدادات طويلة الأجل للطاقة.

إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا الغاز الطبيعي المستخدم في الكهرباء والصناعة، كما تحتوي على ذهب بكميات كبيرة يُستخدم كاحتياطي مالي للدول وقت الأزمات. لكن الأهم والأخطر هو وجود معادن نادرة، على رأسها الكولتان، وهو معدن يدخل في صناعة الهواتف المحمولة، أجهزة الكمبيوتر، الأقمار الصناعية، الطائرات الحديثة، والأسلحة المتطورة. بدون هذا المعدن تتوقف التكنولوجيا الحديثة.

كما تحتوي فنزويلا على الحديد، والألومنيوم، والنحاس، والنيكل، وهي معادن أساسية في صناعة السيارات، الطائرات، شبكات الكهرباء، والبطاريات، خاصة بطاريات السيارات الكهربائية.

الولايات المتحدة ترى أن فنزويلا يجب أن تبقى تحت نفوذها، لذلك تستخدم العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي، بهدف تغيير السلطة، لأن السيطرة على الحكم تعني بالنسبة لها الوصول إلى هذه الثروات. هذا الأسلوب يعتمد على الضغط السريع من الخارج.

في المقابل، تتحرك الصين بطريقة مختلفة. الصين استثمرت في الدراسات الجيولوجية، أي دراسة طبقات الأرض نفسها. حصلت على خرائط دقيقة توضّح أماكن المعادن وكمياتها، ووقّعت اتفاقات طويلة الأمد لا تعتمد فقط على السياسة، بل على المعرفة. الصين لا تهتم كثيرًا من يحكم، بل تهتم بما تحتويه الأرض، لأن الأرض لا تتغير بتغير الحكومات.

نفس النموذج يتكرر في إيران. إيران ليست فقط دولة نفط وغاز، بل تمتلك معادن مهمة مثل النحاس، والحديد، والزنك، والليثيوم. الليثيوم تحديدًا عنصر أساسي في صناعة البطاريات وتخزين الطاقة. العقوبات المفروضة على إيران تهدف بشكل مباشر إلى منعها من تطوير هذه الموارد ومنعها من امتلاك صناعة مستقلة قائمة على ما تحت أرضها.

الصين دخلت إلى إيران أيضًا عبر الاستثمار في الطاقة والتعدين ونقل المعرفة، وليس فقط عبر التجارة. الهدف هو تأمين مصادر ثابتة للمعادن والطاقة بعيدًا عن السيطرة الغربية.

أما أفريقيا، فهي المرحلة الأخطر في هذا الصراع. القارة الأفريقية تحتوي على أكبر نسبة من معادن العالم غير المستغلة. فيها الكوبالت المستخدم في البطاريات، والليثيوم، والذهب، ومعادن نادرة لا غنى عنها في التكنولوجيا الحديثة. لذلك تتجه الصين بقوة إلى أفريقيا، وتبدأ إيران في توسيع علاقاتها هناك، بحثًا عن شراكات اقتصادية ومعدنية، لا عن شعارات.

الخلاصة بسيطة ويمكن لأي قارئ فهمها:

الدول الكبرى لم تعد تتصارع فقط على الأرض، بل على ما تحت الأرض.

من يملك النفط والمعادن، يملك الصناعة.

ومن يملك الصناعة، يملك القرار.

فنزويلا، إيران، وأفريقيا ليست أزمات منفصلة، بل نقاط في خريطة واحدة. خريطة عالم جديد تُرسم بالمعادن، لا بالخطابات. ومن لا يفهم قيمة ما تحت أرضه اليوم، سيدفع ثمنًا كبيرًا غدًا.

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية