حين يعجز الوعي… يتدخل السعر_موقع الراي المصرية

بتاريخ :الأربعاء 11 مارس 2026

الناشر :مريم محمد   عدد المشاهدات : 2 مشاهدات


بقلم د/ احمد عبده 

ليست القرارات الاقتصادية في جوهرها مجرد أرقام تُسجل في دفاتر الموازنات، بل كثيرًا ما تكون أدواتٍ لتوجيه سلوك الأسواق والمجتمعات معًا. فعندما يرتفع الاستهلاك إلى مستويات تتجاوز القدرة الإنتاجية للدولة أو يثقل كاهل الموازنة العامة، تلجأ الحكومات أحيانًا إلى تعديل الأسعار أو تقليص الدعم على بعض السلع الاستراتيجية، لا باعتبار ذلك غاية في حد ذاته، بل كوسيلة اقتصادية لضبط الطلب وترشيد الاستهلاك. فقاعدة الاقتصاد البسيطة تقول إن ارتفاع السعر غالبًا ما يؤدي إلى تراجع الطلب، وهي قاعدة أساسية تقوم عليها حركة السوق.
وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة واضحة على هذا النهج. فبعد أزمة النفط 1973 التي ضربت الاقتصاد العالمي، اضطرت دول صناعية كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى رفع أسعار الوقود وتقليص الدعم عنه بالتوازي مع حملات توعية واسعة. لم يكن الهدف مجرد زيادة الإيرادات، بل تقليل الاستهلاك المرتفع للطاقة، وهو ما أدى بالفعل إلى تراجع الطلب نسبيًا وفتح الباب أمام تطوير سيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود.
وفي نموذج آخر أكثر هدوءًا لكنه شديد الفاعلية، اعتمدت سنغافورة سياسة تسعير مرتفعة نسبيًا للمياه منذ التسعينيات بسبب محدودية مواردها الطبيعية. وقد أظهرت دراسات صادرة عن البنك الدولي أن هذه السياسة أسهمت في خفض الاستهلاك الفردي وتعزيز ثقافة ترشيد المياه، إلى جانب دفع المجتمع نحو استخدام تقنيات إعادة التدوير والحفاظ على الموارد.
ولا يقتصر الأمر على الطاقة أو المياه، بل يمتد إلى مجالات صحية واجتماعية أيضًا. ففي العديد من الدول مثل أستراليا وكندا، رفعت الحكومات الضرائب على السجائر بشكل كبير، وهو ما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنه من أكثر الوسائل فاعلية في تقليل معدلات التدخين، خاصة بين فئة الشباب. هنا يتحول السعر إلى أداة لتغيير سلوك اجتماعي كامل، لا مجرد أداة مالية.
لكن من المهم التمييز بين التحليل العلمي والتصورات الشائعة؛ فرفع الأسعار لا يُعد “نظرية في علم النفس لإدارة الشعوب”، كما يروج البعض، بل هو في الأساس أداة من أدوات السياسة الاقتصادية تؤثر بطبيعتها في السلوك الفردي والجماعي. فالاقتصاد يغيّر السلوك عبر الحوافز والقيود، لا عبر الشعارات وحدها.
وفي النهاية تبقى المعادلة الأكثر حساسية في مثل هذه السياسات هي تحقيق التوازن بين حماية الموارد واستقرار الموازنة من جهة، والحفاظ على القدرة المعيشية للمواطن من جهة أخرى؛ لأن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بقدرتها على ضبط الأرقام، بل بقدرتها أيضًا على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والعدالة في توزيع

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية