التماسك الأسري كركيزة للاستقرار المجتمعي - جريدة الراي / بقلم: علي عبد الناصر التركي

بتاريخ :الأحد 04 يناير 2026

الناشر :علي التركي   عدد المشاهدات : 93 مشاهدات

التماسك الأسري كركيزة للاستقرار المجتمعي - جريدة الراي

بقلم: علي عبد الناصر التركي

تُعدّ الأسرة النواة الأولى في بناء المجتمعات، ومنها تتشكل منظومة القيم، وأنماط السلوك، وقدرة الأفراد على التفاعل الصحي مع محيطهم الاجتماعي. ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، بات التماسك الأسري أحد أكثر المفاهيم تعرضًا للاهتزاز، ليس نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكمات متعددة اجتماعية واقتصادية وثقافية.

ولا يمكن اختزال التماسك الأسري في بقاء الشكل الخارجي للأسرة، أو استمرار العلاقة الزوجية في ظاهرها، بل يرتبط بوجود قدر من التفاهم، والاحترام المتبادل، والقدرة على إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراعات مدمّرة. فالتماسك الحقيقي يقوم على الوعي بطبيعة الأدوار، وحدود المسؤوليات، وحقوق كل طرف داخل البناء الأسري.

في كثير من الحالات، لا تكون المشكلات الأسرية ناتجة عن غياب النية الطيبة، بقدر ما تكون نتيجة غياب الفهم. إذ يدخل كثيرون إلى الحياة الزوجية دون إدراك كافٍ لطبيعة الاختلاف بين الأفراد، أو لطبيعة الضغوط التي تفرضها الحياة اليومية، فيتحول الخلاف الطبيعي إلى أزمة ممتدة، ويُستبدل الحوار بالصمت، أو الاتهام، أو الانسحاب.

كما تلعب العوامل الاقتصادية وضغوط المعيشة دورًا مؤثرًا في زيادة حدة التوتر داخل الأسرة، خاصة في ظل غياب مهارات التواصل وإدارة الانفعال. فالأزمات حين تُدار بوعي قد تُقوّي الروابط، وحين تُدار بإنكار أو عنف نفسي تُسهم في تفكيكها.

ولا يمكن إغفال أثر الخطاب العام والإعلامي في تشكيل صورة العلاقات الأسرية. فحين يُقدَّم الخلاف بوصفه فشلًا مطلقًا، أو تُضخَّم النزاعات بوصفها نماذج عامة، يتراجع الإحساس بقيمة الاستقرار، ويضعف السعي إلى الإصلاح، لصالح قرارات متعجلة قد تكون كلفتها النفسية والاجتماعية باهظة.

إن تعزيز التماسك الأسري لا يتطلب مثالية غير واقعية، بل يتطلب وعيًا عمليًا يقوم على الاعتراف بالخطأ، واحترام الاختلاف، واللجوء إلى الحوار قبل الوصول إلى القطيعة. فاستقرار الأسرة لا ينعكس فقط على أفرادها، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله، أمنًا وسلوكًا وتوازنًا.

وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة، تبقى الأسرة المتماسكة أحد أهم خطوط الدفاع الأولى عن الاستقرار المجتمعي، ليس بالشعارات، بل بالوعي، والمسؤولية، والقدرة على الإصلاح قبل الانهيار.

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية