فؤوس الغضب عندما يغيب الوعي - جريدة الراي - بقلم: علي عبدالناصر التركي

بتاريخ :الثلاثاء 27 يناير 2026

الناشر :علي التركي   عدد المشاهدات : 98 مشاهدات

فؤوس الغضب عندما يغيب الوعي - جريدة الراي 

 

بقلم: علي عبدالناصر التركي

 

المشهد الذي صدم الناس في ارض الخطارة بمدينة فاقوس بمحافظة الشرقية لم يكن مجرد خناقة عابرة ولا خلافا تقليديا بين عيلتين. كان انفجارا مفزعا للعنف بالفؤوس، انتهى بإصابة رجل بنزيف في المخ وحالته حرجة بعد ضربة مباشرة في منتصف الرأس، وكل ذلك امام طفل صغير بالكاد يتعلم المشي، مع تعد على نساء في وضح النهار.

الاخطر من تفاصيل المشهد الدامي ليس عدد المصابين ولا نوع السلاح المستخدم، بل السبب الحقيقي الذي اشعل النار. اطفال يلعبون امام منزل، دوشة عادية، صوت ضحك وحركة، مشهد يومي في اي حي شعبي. من هذا السبب البسيط خرج غضب اعمى، وتحول الخلاف الى فوضى، وسقطت الانسانية قبل ان يسقط الضحايا.

ما حدث يكشف خللا عميقا في الوعي المجتمعي، وفي طريقة ادارة الغضب، وفي فهمنا لمعنى الجيرة، ومعنى الاختلاف، وحدود رد الفعل. حين يصبح الفاس اداة للرد على الضوضاء، فهذا يعني ان المجتمع يقف على حافة خطيرة، وان العنف لم يعد استثناء بل خيارا جاهزا عند اول احتكاك.

المشكلة لا تتعلق بعائلة بعينها، ولا بمكان محدد، بل بثقافة تتراكم فيها الضغوط الاقتصادية والنفسية، مع غياب حقيقي لبرامج التوعية، وانسحاب دور المدرسة والمسجد والاعلام من بناء الانسان. حين يغيب الحوار، ويتراجع القانون في الوعي اليومي، يصبح الشارع هو الحكم، والقوة هي اللغة السائدة.

التوعية المجتمعية ليست شعارات ولا لافتات موسمية. هي عمل مستمر يبدأ من الاسرة، يمر بالمدرسة، ويتعزز عبر الاعلام المسؤول، ويترسخ بقوانين تطبق بعدل وحزم. نحتاج الى تعليم الناس كيف يديرون غضبهم، وكيف يختلفون دون ان يتقاتلوا، وكيف يحفظون كرامتهم دون سحق كرامة غيرهم.

تنمية الوعي تعني ان نفهم ان الطفل الذي يلعب اليوم هو مواطن الغد، وان الصراخ لا يواجه بالفؤوس، وان النساء لسن ساحة لتصفية الحسابات، وان الدم الذي يسيل لا يعيد حقا ولا يحقق نصرا، بل يترك جرحا في جسد المجتمع كله.

ما جرى في فاقوس جرس انذار. اذا لم نلتقطه بعقل واعيا، وبعمل جادا، وبمسؤولية جماعية، فسنرى مشاهد اشد قسوة، واسبابا اتفه، ودماء اكثر. المجتمع لا يتطور بالقوة، بل بالوعي، ولا يحمي نفسه بالعنف، بل بالقانون، ولا يحافظ على تماسكه الا حين يختار الانسانية استقرارا لا استثناء.

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية