سقوط هيبة النظام الدولي… حين تُقاس العدالة بميزان القوة ـ جريدة الراي.

بتاريخ :الثلاثاء 13 يناير 2026

الناشر :ولاءهنداوي   عدد المشاهدات : 208 مشاهدات

سقوط هيبة النظام الدولي… حين تُقاس العدالة بميزان القوة ـ جريدة الراي.

بقلم د/ أحمد عبده

 

لم يعد العالم يعيش أزمة نظام دولي بقدر ما يعيش أزمة مصداقية. فالقواعد التي وُضعت لضبط الصراعات باتت عاجزة عن تفسير ما يجري، ناهيك عن وقفه. ما نشهده اليوم هو سقوط تدريجي لهيبة النظام الدولي، لا بانقلابٍ مفاجئ، بل بتآكلٍ صامت، تفضحه الأحداث أكثر مما تكشفه البيانات الرسمية.

في غزة، تُختبر إنسانية النظام الدولي على مرأى من العالم، فلا قرارات رادعة، ولا مساءلة حقيقية، فقط بيانات قلق لا توقف نزيف الدم. القانون الدولي حاضر كنص، غائب كفعل، والعدالة تُختزل في توازنات سياسية لا في حقوق إنسانية ثابتة. هنا، تسقط أولى أوراق الثقة، حين يصبح الضحية عبئًا أخلاقيًا لا أولوية قانونية.

وفي أوكرانيا، تبدو الصورة معكوسة شكليًا، لكنها متطابقة جوهريًا. حشدٌ دولي واسع، عقوبات، دعم عسكري، واهتمام إعلامي كثيف. ليس لأن المبادئ اختلفت، بل لأن ميزان المصالح تغيّر. الحرب هنا ليست أكثر شرعية، لكنها أكثر أهمية استراتيجيًا. وهكذا، تُقاس المآسي لا بعمقها، بل بموقعها الجغرافي على خريطة النفوذ.

أما فنزويلا، فتمثل نموذجًا آخر لانتهازية النظام الدولي. عقوبات تُفرض باسم الديمقراطية، ثم تُخفَّف باسم النفط. المبادئ قابلة للتفاوض، والشرعية تُعاد صياغتها حين تتغير الحاجة. الدولة لا تُحاسَب لأنها أخطأت، بل لأنها لم تعد مفيدة، وحين تعود الفائدة، يعود الاعتراف تدريجيًا.

وفي إيران، يتجلى التناقض بأوضح صوره. دولة تُحاصَر سياسيًا واقتصاديًا، لا بسبب خرقها وحدها، بل بسبب موقعها في معادلة الردع الإقليمي. القانون الدولي هنا أداة ضغط، لا معيارًا موحدًا، والملف النووي يتحول من قضية قانونية إلى ورقة مساومة طويلة الأمد.

أما جرينلاند، فرغم هدوء المشهد، فهي تكشف مستقبل النظام الدولي أكثر مما تعكسه ساحات الحرب. جزيرة تتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، لا لشعبها، بل لموقعها وثرواتها. لا حديث عن حق تقرير المصير، بل عن خطوط الملاحة والمعادن النادرة. الصراع هنا صامت، لكنه أكثر تعبيرًا عن عالم تُدار فيه السياسة بالقوة الناعمة المصحوبة بالتهديد الخفي.

القاسم المشترك بين هذه الملفات ليس اختلافها، بل طريقة التعامل معها. نظام دولي واحد، بمعايير متعددة. عدالة تُستدعى حين تخدم، وتُعلَّق حين تُزعج. ومؤسسات تراقب أكثر مما تحكم، وتدين أكثر مما تُلزم.

الخطر الحقيقي ليس في انهيار النظام الدولي، بل في اعتياد العالم على غيابه. حين تصبح الفوضى مألوفة، والازدواجية مقبولة، يفقد القانون قيمته، وتفقد السياسة معناها الأخلاقي. عندها، لا تعود الدول تبحث عن العدالة، بل عن القوة التي تحميها من غيابها.

وفي هذا العالم المتآكل الثقة، لا يبقى أمام الدول سوى خيار واحد: أن تعي مصالحها جيدًا، وأن تحصّن جبهتها الداخلية، دون أن تتخلى عن إنسانيتها. فالقوة بلا عدالة بطش، والعدالة بلا قوة وهم.

وحين تُقاس العدالة بميزان القوة، لا يكون السقوط استثناءً، بل قاعدة…

ولا يكون الصمت الدولي حيادًا، بل مشاركة غير معلنة في إعادة تشكيل عالم أقل عدلًا، وأكثر قسوة

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية