مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :علي التركي عدد المشاهدات : 75 مشاهدات
الحروب الروحية… صراعات غير مرئية تتسلل إلى النفس والبيوت
بقلم: علي عبدالناصر التركي - كاتب صحفي
مع دخول شهر رمضان، يتجدد الحديث عن الصراعات التي يمر بها الإنسان، لكن كثيرين يختزلون مفهوم الحرب في صور الدم والنار والمواجهات المباشرة، بينما يغيب عن الوعي نوع آخر من الحروب، أكثر هدوءا وخطورة، وهي الحروب الروحية والنفسية غير المرئية.
تبدأ هذه الحروب غالبا بصراع داخلي لا يُرى بالعين، داخل النفس البشرية. ومع استمرار الضغوط وتراكمها، تضعف النفس، وتحاول الروح أن تتدخل لحماية التوازن الداخلي. وعندما يفشل هذا التوازن، يبدأ الأثر في الظهور على الجسد، ثم يمتد تدريجيا إلى السلوك والحياة اليومية، ليتحول الأمر إلى مشكلات، وصراعات، وضياع في الاتجاه والمعنى.
كثير من الناس يعتقدون أنهم يتصرفون بكامل إرادتهم، بينما الواقع يشير إلى أن الأفكار والتأثيرات النفسية والتشوهات الفكرية تلعب دورا خفيا في توجيه السلوك دون وعي كامل. هذه التأثيرات لا تكون دائما واضحة أو مباشرة، لكنها تعمل في العمق، وتتحكم في ردود الفعل والقرارات، وتخلق حالة من الاضطراب الداخلي.
ولا تقتصر هذه الحروب على الأفراد فقط، بل تمتد إلى البيوت والعلاقات الأسرية. فليست كل المشكلات العائلية ناتجة عن موقف عابر أو كلمة قيلت في لحظة غضب. هناك بيوت تعيش حالة شد داخلي دائم، توتر مستمر، خلافات بلا سبب واضح، برود عاطفي ونفور متبادل، بينما يظن أهلها أن ما يحدث مجرد ضغوط حياتية عادية.
الحقيقة أن كثيرا من هذه الحالات تكون نتيجة ضغط نفسي متراكم، واستنزاف طويل للوعي، وتشوهات فكرية لم يتم الانتباه لها أو التعامل معها في وقت مبكر. وعندما يفقد البيت هدوءه، يتأثر جميع أفراده، حتى وإن لم يفهموا السبب الحقيقي لما يشعرون به.
الأخطر أن عددا كبيرا من الناس يعيشون داخل دائرة مغلقة، ينشغل وعيهم بالمظاهر والسطحيات والجوانب المادية فقط، ما يجعلهم غير قادرين على رؤية الصورة الكاملة أو فهم ما يجري في العمق.
في هذا السياق، يأتي شهر رمضان كفرصة حقيقية للتوقف والمراجعة، ليس فقط على مستوى السلوك الظاهر، بل على مستوى الوعي الداخلي، ومحاولة فهم أن الحياة أوسع وأعمق من الإطار الذي اعتاد الإنسان أن ينظر من خلاله.
فتح هذا الملف بهدوء، ووعي، دون تهويل أو إنكار، قد يكون خطوة أولى نحو فهم أعمق للذات، وللصراعات غير المرئية التي تؤثر في حياتنا أكثر مما نتصور.