البيتكوين بين وهم الثروه وحقيقة الفقاعة ـ موقع الراي المصري

بتاريخ :الأربعاء 11 فبراير 2026

الناشر :انجى باسم   عدد المشاهدات : 111 مشاهدات

البيتكوين بين وهم الثروه وحقيقة الفقاعة ـ موقع الراي المصري 

بقلم د/ احمد عبده

 

منذ أكتوبر الماضي لم يكن ما يحدث في سوق البيتكوين مجرد تراجعٍ في سعر عملة رقمية، بل كان اهتزازًا في سردية كاملة بُنيت على وعدٍ كبير اسمه “التحرر المالي”. العملة التي قُدِّمت يومًا باعتبارها ثورة على النظام المصرفي العالمي، وبديلًا جريئًا للعملات الورقية، وذهبًا رقميًا لا يخضع لسلطة دولة ولا قرار بنك مركزي، بدأت تنزف من قيمتها في مشهدٍ يعيد طرح السؤال القديم المتجدد: هل كانت الثورة حقيقية أم كانت موجة مضاربة ضخمة ترتدي قناع التكنولوجيا؟

حين ارتفعت البيتكوين إلى مستويات قياسية، لم يكن الصعود وحده هو الحدث، بل الحالة النفسية التي رافقته. ملايين الأفراد اندفعوا إلى الشراء بدافع الخوف من ضياع الفرصة، لا بدافع دراسة اقتصادية عميقة. وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى منصات تبشير، والمؤثرون إلى منظّرين ماليين، والحديث عن “الثراء السريع” صار أقرب إلى يقين جماعي. لم تعد القيمة تُقاس بالإنتاج أو العائد أو النشاط الاقتصادي المرتبط بها، بل بحجم الضجيج حولها. وهنا تحديدًا بدأت الفقاعة تتشكل، ليس في الأرقام، بل في العقول.

ومع أول كسرٍ حقيقي لمستويات الدعم منذ أكتوبر، بدأ المشهد يتغير. الطمع تحوّل إلى خوف، والحماس إلى ارتباك، وموجات الشراء إلى تصفيات قسرية لمراكز ممولة بالرافعة المالية. حين تتراجع الأصول عالية المخاطر، لا تسقط بهدوء، بل تتدحرج بسرعة، لأنها كانت قائمة أصلًا على سرعة الصعود. في الأسواق التقليدية، هناك أصول ملموسة، شركات، أرباح، أصول إنتاجية، تدفقات نقدية. أما في عالم العملات المشفرة، فالثقة هي الأصل الأكبر، وإذا اهتزت الثقة، لا يبقى ما يسند السعر سوى الأمل.

البيتكوين رُوِّج لها باعتبارها حصنًا ضد التضخم، وبديلًا للدولار، وملاذًا في الأزمات. لكن الواقع أثبت أن سلوكها أقرب إلى أسهم التكنولوجيا عالية المخاطر منه إلى الذهب. عندما تتوتر الأسواق العالمية، وعندما ترتفع الفائدة، وعندما يهرب المستثمرون من المخاطر، لا يتجهون إلى المحافظ الرقمية، بل إلى الأصول التقليدية الآمنة. وهذا وحده يكفي لنسف فكرة “التحوّط المطلق” التي بيعت للجمهور لسنوات.

المسألة هنا ليست عداءً للتكنولوجيا، فالبلوك تشين ما زالت ابتكارًا مهمًا، والاقتصاد الرقمي واقع لا يمكن تجاهله. لكن الفرق كبير بين الاعتراف بأهمية التكنولوجيا وبين تحويلها إلى أداة مضاربة جماعية بلا ضوابط. لقد دخلت مؤسسات كبرى إلى السوق، وصناديق استثمار ضخمة، لكن دخول المؤسسات لا يلغي طبيعة الأصل، ولا يحوّله فجأة إلى اقتصاد إنتاجي متكامل. السوق قد يضخّم القيمة، لكنه لا يخلق أساسًا اقتصاديًا من العدم.

والأخطر من كل ذلك أن ثقافة المضاربة السريعة بدأت تتسلل إلى وعي أجيال كاملة. فكرة أن الثروة يمكن أن تُصنع في شهور عبر شاشة هاتف، دون ارتباط حقيقي بإنتاج أو عمل أو قيمة مضافة، تُحدث تشوهًا في فهم الاقتصاد ذاته. الاقتصاد الحقيقي يقوم على الصناعة، والزراعة، والخدمات، والمعرفة، والتراكم طويل الأجل. أما الاقتصاد الذي تحكمه موجات “الترند”، فهو اقتصاد هش، سريع الاشتعال، سريع الانطفاء.

انهيار البيتكوين منذ أكتوبر لا يعني نهايتها، فقد تعود للصعود، وربما تكسر أرقامًا قياسية جديدة، فالسوق لا يتحرك في خط مستقيم. لكنه يعني شيئًا أهم: أن مرحلة السرديات المطلقة قد انتهت. لم تعد البيتكوين “لا تُقهر”، ولم يعد الصعود “حتميًا”، ولم يعد المستثمر الصغير محصنًا من الخسارة لمجرد أنه دخل عالم التشفير. لقد سقطت قداسة الأصل، وعاد إلى طبيعته كأداة استثمار عالية المخاطر.

وفي عالمنا العربي، حيث يبحث كثيرون عن فرص لتعويض تآكل الدخول وارتفاع الأسعار، يصبح التعامل مع هذه الأصول أكثر حساسية. فحين يغامر شاب بمدخراته القليلة طمعًا في مضاعفتها سريعًا، ثم يجد نفسه أمام خسارة قاسية، فإن المسألة لا تكون مجرد رقم في محفظة رقمية، بل صدمة ثقة في المستقبل كله. هنا يتحول الانهيار من حدث مالي إلى مسألة اجتماعية.

الدرس الحقيقي ليس أن نرفض التكنولوجيا، ولا أن نمجّدها بلا حدود، بل أن نفهم أن أي نظام مالي، مهما كان حديثًا، يخضع لقوانين الاقتصاد الأساسية: العرض والطلب، السيولة، الثقة، ودورة المخاطر. لا توجد أداة استثمارية تعلو فوق هذه القواعد. وكل من يظن أن العصر الرقمي ألغى منطق الاقتصاد، يكتشف متأخرًا أن المنطق لا يُلغى… بل ينتظر لحظة الاختبار.

بين الحلم الرقمي والواقع الاقتصادي، يظل الفارق هو الفارق بين الضجيج والقيمة. قد تتغير الأسماء، وتتطور التقنيات، وتتبدل المنصات، لكن الحقيقة الثابتة أن الثروة المستدامة تُبنى على أساس صلب، لا على موجة عابرة. والسوق، مهما طال صعوده، لا يمنح دروسه مجانًا.

وهنا، ونحن نقرأ ما يحدث، لا نحتفل بانهيار أحد، ولا نشمت في خسارة أحد، بل نعيد التذكير بأن الاقتصاد ليس لعبة حظ، وأن الثقة ليست عملة افتراضية يمكن تعدينها بلا ثمن… فحين يسقط الوهم، تبقى الحقيقة وحدها هي الرصيد. وهذه هي كلمتنا، حين نختار أن نقرأ ما وراء الأرقام.

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية