مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :ميلاد عبدالله عدد المشاهدات : 148 مشاهدات
حين تُراقَب القوة: قراءة تحليلية في تناول الصحافة الإسرائيلية لتصريحات نتنياهو عن الجيش المصري - موقع الراي المصرية
بالقلم د / احمد عبده
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جلسة مغلقة للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، قوله إن الجيش المصري «يزداد قوة» وأن هذا التطور ينبغي متابعته بدقة. ورغم أن التصريح جاء في سياق داخلي، فإنه سرعان ما وجد طريقه إلى التحليل الإعلامي، بوصفه مؤشرًا على كيفية قراءة المؤسسة الإسرائيلية لتحولات المشهد العسكري في المنطقة.
التناول الصحفي لم يكتفِ بنقل العبارة، بل وضعها في إطار أوسع يتعلق بتوازنات ما بعد حرب غزة، وبالتحولات المتسارعة في أولويات الأمن القومي لدول الإقليم. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، ليست دولة عابرة في معادلات الشرق الأوسط، وأي تطوير في قدراتها الدفاعية يُقرأ خارج حدودها بقدر ما يُقرأ داخلها.
من الناحية الاستراتيجية، لا يمكن فصل هذا التصريح عن إرث طويل من الحسابات الدقيقة التي أعقبت اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب. فقد أرست تلك الاتفاقية ترتيبات أمنية واضحة، خاصة في ما يتعلق بالوجود العسكري في سيناء، وظلت لعقود تمثل أحد أعمدة الاستقرار الحدودي. غير أن البيئة الأمنية المحيطة تغيرت، والتهديدات لم تعد تقليدية أو محصورة في شكل واحد، وهو ما دفع القاهرة خلال السنوات الماضية إلى إعادة بناء قدراتها وتسليحها وفق رؤية شاملة للأمن القومي.
القراءة الإسرائيلية، كما تعكسها تايمز أوف إسرائيل، تنطلق من مبدأ ثابت في العقيدة الأمنية هناك: الحفاظ على التفوق النوعي ومراقبة أي تغير في ميزان القوى، حتى لو كان هذا التغير صادرًا عن دولة ترتبط معها بمعاهدة سلام. ومن هنا يصبح الحديث عن «تزايد القوة» ليس اتهامًا مباشرًا، بل تعبيرًا عن قلق استراتيجي تقليدي يرى في أي صعود عسكري محتمل عنصرًا يجب أخذه في الحسبان.
لكن في المقابل، فإن تعزيز القدرات الدفاعية لأي دولة ذات سيادة هو حق أصيل، بل واجب تفرضه تحديات الإقليم واضطراباته. ومصر، التي واجهت الإرهاب في سيناء، وتتعامل مع أزمات على حدودها الغربية والجنوبية، لا تبني عقيدتها العسكرية على منطق التوسع، بل على منطق الردع وحماية الحدود وصون الاستقرار.
اللافت أن مثل هذه التصريحات، حين تخرج إلى العلن، تكشف حجم الحضور المصري في معادلات التفكير الاستراتيجي لدى الآخرين. فالقوة التي تُذكر في جلسات مغلقة وتتصدر التحليلات ليست قوة هامشية، بل قوة يُحسب لها حساب. وبين قراءة ترى في التعزيز تهديدًا، ورؤية تعتبره ضرورة سيادية، يبقى الثابت أن موازين المنطقة لا تُفهم إلا عبر إدراك وزن القاهرة فيها.
هكذا لا يكون الخبر مجرد سطر في صحيفة، بل نافذة نطل منها على طريقة تفكير العواصم، وعلى حقيقة أن مصر، بتاريخها وجيشها وموقعها، تظل رقمًا صعبًا في معادلة الشرق الأوسط، شاء من شاء وأبى من أبى.