مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :انجى باسم عدد المشاهدات : 34 مشاهدات
خطاب عباس عراقجي: بين براغماتية التفاوض وثبات الردع ـ موقع الراي المصري
بقلم د / احمد عبده
خطاب عباس عراقجي: بين براغماتية التفاوض وثبات الردع
جاء خطاب عباس عراقجي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتحرك المفاوضات النووية بين طهران والولايات المتحدة داخل مساحة ضيقة تفصل بين الانفراج المحتمل والتصعيد المفتوح. لم يكن حديث وزير الخارجية الإيراني مجرد عرض تقني لمسار تفاوضي، بل بدا محاولة واعية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي، وترتيب سقف التوقعات في الداخل والخارج معًا.
اللغة التي استخدمها عراقجي اتسمت بحسابات دقيقة؛ فلا هو اندفع نحو تفاؤل مفرط يوحي بقرب اتفاق شامل، ولا لجأ إلى خطاب تصعيدي يغلق الأبواب. الإشارة إلى “تفاهم على المبادئ الأساسية” دون إعلان اختراق نهائي تعكس إدراكًا إيرانيًا لتعقيدات المشهد، حيث توازن طهران بين رغبتها في تخفيف الضغوط الاقتصادية وبين حرصها على عدم الظهور بمظهر المتنازل تحت وطأة العقوبات.
الرسالة الأعمق في الخطاب كانت الربط الصريح بين نجاح أي مسار تفاوضي ووقف التهديدات العسكرية. هنا يتجاوز الخطاب الإطار النووي البحت إلى معادلة أوسع تتعلق بالردع الإقليمي. فإيران تسعى لتكريس فكرة أن التفاوض لا يمكن أن يتم تحت ضغط القوة، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يقوم على توازن احترام متبادل، لا على إملاءات أحادية. إنها صيغة تخاطب الداخل الإيراني بقدر ما توجه إشارات إلى العواصم الغربية بأن طهران تفاوض من موقع حساب لا من موقع اضطرار.
كما يكشف الخطاب عن استمرار أزمة الثقة بين الطرفين. فالمسألة لم تكن يومًا تقنية فقط، بل سياسية بامتياز، تتصل بتاريخ طويل من العقوبات والانسحابات والاتهامات المتبادلة. لذلك بدا واضحًا أن إيران تتعامل مع الوقت كعامل تفاوضي بحد ذاته، تراهن على تحولات المشهد الدولي، وعلى تغير أولويات القوى الكبرى، دون أن تغفل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة إذا تعثرت المسارات الدبلوماسية.
سياسيًا، يمكن قراءة خطاب عراقجي بوصفه إعلانًا عن استعداد مشروط: استعداد للتوصل إلى اتفاق، لكن ليس بأي ثمن؛ واستعداد للاستمرار في الحوار، دون التفريط في أوراق القوة. إنها مقاربة تحاول الجمع بين البراغماتية الواقعية والتمسك بالسيادة الوطنية، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
وهكذا، لم يكن الخطاب مجرد بيان دبلوماسي عابر، بل كان رسالة سياسية تقول إن طهران تريد اتفاقًا يعترف بها لاعبًا فاعلًا في صياغة التوازنات، لا رقمًا على هامشها… وفي السياسة، تبقى قيمة الدول في قدرتها على التفاوض دون أن تفقد ملامحها.