مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :ميلاد عبدالله عدد المشاهدات : 42 مشاهدات
الاقتصاد المصري على مفترق طرق - موقع الراي المصرية
بقلم د / احمد عبده
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد الوطني، تتحرك الدولة المصرية على خيط دقيق يفصل بين ضغوط الواقع وآمال الانطلاق. قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة لم تكن مجرد إجراءات نقدية تقليدية، بل جاءت كرسالة طمأنة للسوق من جهة، وإشارة حاسمة بأن معركة الاستقرار ما زالت في قلب الأولويات من جهة أخرى. فالمعادلة لم تعد فقط السيطرة على التضخم، وإنما إعادة صياغة الثقة بين المواطن والدولة، وبين المستثمر والسوق.
التحركات المتزامنة مع مراجعات صندوق النقد الدولي تعكس أن القاهرة تدرك طبيعة المرحلة؛ مرحلة تتطلب انضباطًا ماليًا دون أن تفقد البوصلة الاجتماعية. فالإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بأرقام الاحتياطي النقدي أو مؤشرات النمو، بل بقدرته على حماية الطبقة المتوسطة وصون الفئات الأكثر احتياجًا من ارتدادات القرارات الصعبة.
سعر الصرف، الذي ظل لسنوات عنوانًا للجدل والقلق، أصبح اليوم مرآة لمدى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. ومع تحسن نسبي في تدفقات العملة الأجنبية، سواء عبر السياحة أو تحويلات المصريين بالخارج أو الاستثمارات، تبدو الصورة أكثر اتزانًا، وإن لم تخلُ من تحديات تفرضها تقلبات الإقليم واضطرابات التجارة العالمية.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإجراءات قصيرة الأجل، بل في إعادة بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليل الفاتورة الاستيرادية وتعظيم الصادرات. هنا يصبح السؤال الجوهري: هل نكتفي بإدارة الأزمة، أم نحولها إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر استقلالًا وصلابة؟ الإجابة تكمن في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وفي قدرة الدولة على تمكين القطاع الخاص دون أن تتخلى عن دورها التنظيمي والرقابي.
المشهد الاقتصادي اليوم ليس أبيض أو أسود، بل لوحة معقدة من الفرص والمخاطر. غير أن ما يبعث على التفاؤل هو أن القرار المصري بات أكثر جرأة في مواجهة الحقائق، وأكثر وعيًا بأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه التجميل المؤقت، بل الإصلاح العميق والمستدام.
تبقى مصر قادرة على العبور، كما عبرت من قبل، حين تتوحد الإرادة ويعلو صوت العمل فوق الضجيج، وحين نؤمن أن هذا الوطن يستحق اقتصادًا بحجم تاريخه… وأن الغد، مهما اشتدت رياحه، سيظل مصريّ الملامح والهوية.