فاتورة الحرب… حين تُستنزف أوطاننا ليبقى التفوق لغيرنا - موقع الراي المصرية 

بتاريخ :الاثنين 02 مارس 2026

الناشر :ميلاد عبدالله   عدد المشاهدات : 58 مشاهدات

فاتورة الحرب… حين تُستنزف أوطاننا ليبقى التفوق لغيرنا - موقع الراي المصرية 

بقلم د / احمد عبده 

 

لم تعد الحروب في زماننا تُخاض فقط بالمدافع والصواريخ، بل تُدار بالأرقام، وبحسابات الفاتورة قبل إطلاق الرصاصة الأولى. وحين نُدقق في المشهد الإقليمي، يتبدّى سؤال مُقلق: من سيدفع الثمن الحقيقي إذا اشتعلت المنطقة؟ من سيتحمل كلفة النار حين تخمد الكاميرات وتبقى الفواتير مفتوحة؟

الواقع يقول إن الولايات المتحدة قوة عظمى تُجيد إدارة الصراعات عن بُعد، تُتقن توزيع الأدوار، وتُحسن نقل العبء إلى الحلفاء تحت عناوين الشراكة وتقاسم المسؤولية. وإسرائيل، بحكم موقعها وحساباتها الأمنية، تجد في كل اضطراب إقليمي فرصة لإعادة ترتيب البيئة المحيطة بها بما يخدم تفوقها الاستراتيجي. ليس لأن الأمر مسرحية ساذجة، بل لأن السياسة في جوهرها بحث دائم عن تعزيز الموقع وتقليل المخاطر.

إذا دخلت دول الخليج كطرف مباشر في صراع واسع، فإن الخسارة لن تكون عسكرية فقط، بل تنموية واقتصادية وزمنية. سنوات من البناء قد تتعثر، ومشاريع مستقبلية قد تتأجل، ورؤى اقتصادية قد تُستنزف في سباق تسلح أو إعادة إعمار. وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال: هل تتحول الثروة إلى درع يحمي، أم إلى فاتورة تُسدَّد نيابة عن الآخرين؟

المعادلة التي يراها كثيرون خطيرة: أموال خليجية تُستثمر في الاقتصاد الأمريكي، تدور داخل منظومته المالية، ثم يعود جزء منها في صورة دعم عسكري وسياسي لإسرائيل، بينما تظل المنطقة ذاتها ساحة التوتر والضغط. دورة مالٍ وسلاحٍ ونفوذ، تدور كأنها حلقة مغلقة، والمنتج النهائي هو إضعاف البيئة العربية المحيطة وتكريس ميزان قوة مختل.

ليس المقصود هنا تبسيط المشهد أو إعفاء الداخل من مسؤوليته، لكن من حقنا أن نتساءل: لماذا تتحول منطقتنا دائمًا إلى ساحة تصفية حسابات؟ ولماذا يبدو أن كل تصعيد يُقرب طرفًا من هدفه الاستراتيجي، بينما يُبعدنا نحن عن استقرارنا نصف قرن إلى الوراء؟

المنطقة لا تحتمل حربًا كبرى، ولا تتحمل أن تكون خزائنها وقودًا لمعارك الآخرين. القوة الحقيقية ليست في الانخراط السريع، بل في امتلاك قرار مستقل يُقدِّر الكلفة قبل العاطفة، ويزن الربح والخسارة بميزان المستقبل لا اللحظة.

قد يختلف الناس في توصيف المشهد، لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه أن أوطاننا ليست أوراقًا على طاولة قمار دولية. هذه أرضنا، وهذه ثرواتنا، وهذا مستقبل أبنائنا… ولن يكون لنا غدٌ آمن ما لم نقرأ الفاتورة جيدًا قبل أن نوقّع عليها.

وهذا موقفٌ أكتبه بضمير وطن، قبل أن أكتبه بحبر قلم.

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية