مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :سلمي عبد الفتاح عدد المشاهدات : 58 مشاهدات
بقلم د/ احمد عبده
في اليمن لا تدور الحرب داخل الجغرافيا وحدها، بل داخل خرائط المصالح، وحدود الرؤى، وطبقات الحسابات الإقليمية. فحين دخل التحالف بقيادة السعودية والإمارات إلى المشهد عام 2015، بدا الهدف واحدًا في ظاهره: إيقاف تمدد الحوثيين وإعادة التوازن للدولة اليمنية. غير أن الزمن كشف أن طريق الرياض ليس هو ذاته طريق أبوظبي، وأن وحدة الهدف العسكرية لم تمنع تباين البوصلة السياسية على الأرض.
السعودية تنظر إلى اليمن باعتباره عمقًا حدوديًا وأمنيًا لا بد أن يظل موحّدًا أو على الأقل قابلًا للإدارة ضمن إطار دولة جامعة، لأن أي تفكك في الجنوب أو الشرق يعني فتح أبواب هشاشة طويلة المدى على حدودها الجنوبية. لذلك بقيت الرياض متمسكة – بدرجات متفاوتة – بالحكومة المعترف بها دوليًا، وبشبكة من التحالفات القبلية والسياسية التي تحافظ على توازن نسبي داخل معسكرها، حتى لو تضمّن ذلك التعامل مع قوى تختلف رؤيويًا معها، مثل حزب الإصلاح في لحظات معينة من الصراع.
أما الإمارات فقد اتجهت إلى مقاربة مختلفة، تركّز على بناء قوى محلية جنوبية تمتلك تنظيمًا عسكريًا وأمنيًا متماسكًا، وتتبنى خطاب الإدارة الذاتية أو الفيدرالية الواسعة. فالموانئ والسواحل وباب المندب وسقطرى ليست مجرد مساحات جغرافية بالنسبة لها، بل عقدة استراتيجية في طريق التجارة والطاقة والأمن البحري، ما جعلها تميل إلى تمكين المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى مشابهة، باعتبارها شريكًا موثوقًا لتثبيت النفوذ والاستقرار في نطاق المصالح البحرية.
ومن هنا نشأ التعارض لا باعتباره صدامًا مباشرًا، بل تباينًا في ترتيب الأولويات: الرياض تفكر بمنطق الدولة والحدود والعمق البري، بينما تفكر أبوظبي بمنطق الموانئ والممرات البحرية وشبكات النفوذ القابلة للضبط. هذا التباين انعكس ميدانيًا في محافظات مثل شبوة وأبين وحضرموت، حيث تداخلت التحالفات، وتنافست مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثي نفسه، ما أطال زمن الترتيب السياسي وأبطأ جهود توحيد القرار العسكري.
لكن رغم ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في معادلة خلاف ثنائي؛ فهناك مساحات التقاء لا تزال حاضرة: منع تمدد النفوذ الإيراني عبر الحوثيين، والحفاظ على حضور إقليمي فاعل في صياغة مستقبل اليمن، ومنع انزلاق البلاد إلى فوضى بلا سقف. ولهذا يتأرجح المسار بين ثلاثة احتمالات: تفاهم تدريجي يعيد توزيع النفوذ بين الشمال والجنوب ضمن تسوية أوسع، أو فيدرالية مرنة تحاول الجمع بين المصالح المتباينة، أو بقاء الوضع الرمادي حيث لا وحدة كاملة ولا انفصال معلن.
يبقى السؤال الأعمق: هل يمكن لليمن أن يكون ساحة تقاطعٍ متوازن لا ساحة تنازع مصالح؟ الإجابة ستولد من قدرة الإقليم على الانتقال من منطق إدارة النفوذ إلى منطق بناء الدولة، ومن استعداد القوى المحلية للتحرر من حسابات اللحظة إلى أفق التسوية التاريخية. فهناك شعوب تنتظر نهاية الحرب أكثر مما ينتظر الفاعلون السياسيون مكاسبها… وشعب اليمن أحد أكثر الشعوب استحقاقًا للحياة والعدل والطمأنينة.
وفي نهاية الطريق، سيبقى الأمل — رغم العواصف — أن تعود أرض سبأ مكانًا يجتمع فيه الأشقاء على المصير المشترك، لا على خرائط المصالح المتنازعة… فهنا، حيث تنحني السياسة أمام الإنسان، تنبض قلوبنا بصدق الانتماء.