قصر الاتحادية من رمز للاستعمار الي القصر الرئاسي المصرى

بتاريخ :الخميس 15 يناير 2026

الناشر :سلمي عبد الفتاح   عدد المشاهدات : 39 مشاهدات


كتب ايهاب سعيد 
كلنا عارفين طبعا «قصر الاتحادية» اللي هو مقر الحكم الرسمي في مصر 

بس عدد قليل من الناس اللي يعرفوا قصة القصر ده ، وعدد أقل منهم جدا اللي يعرفوا علاقة القصر ده بـ «بلجيكا» و «باتريس لومومبا» !!!

وخلونا نحكي الحكاية من البداية ...

اللي يبص على قصر الاتحادية النهارده، ويفتكره مجرد مبنى رئاسي، يبقى مايعرفش إن المكان ده كان في يوم من الأيام عنوان لنفوذ أجنبي كامل الدسم، وخصوصا النفوذ البلجيكي، قبل ما يتحوّل ، غصب عن الكل ، لرمز سيادة مصرية خالصة.

القصر ده في الأصل ما اتبناش عشان المصريين خالص ، ده اتعمل في قلب مشروع اسمه "هليوبوليس"،  وده كان مشروع استثماري أوروبي  ، وراه راجل بلجيكي كلنا نعرف اسمه لأنه هو اللي أسس حي «مصر الجديدة» 

الراجل ده هو البارون «البارون إمبان»

واللي حصل انه بعد ما البارون امبان أخد امتياز وحق استغلال أراضي المنطقة دي اللي كانت صحراء وقتها وبنى فيها حي مصر الجديدة ،  قرر الخديوي «عباس حلمي » في عام 1908 إنه يبني فيها فندق كبير فاخر يحمل اسم "هليوبوليس بالاس" في ضاحية هليوبوليس بمصر الجديدة، فاجتمع بالبارون إمبان وبلغه برغبته دي ، والبارون إمبان بدوره كلف المعماري البلجيكي "أرنست جاسبار" بوضع التصميم الهندسي والمعماري للفندق ، واستمر البناء ثلاث سنوات، حتى تم افتتاحه رسميا في الأول من شهر ديسمبر عام 1910، بملكية وادارة بلجيكية طبعا ، لأن حي مصر الجديدة كله بأراضيه ومبانيه وقصوره وحتى بالترام الشهير بتاعه كان مملوك لشركات أجنبية (بلجيكية - فرنسية) بعقود امتياز طويلة الأجل ، محمية بقوانين الامتياز الأجنبي

يعني حتى الحكومة المصرية وقتها ماكانش ليها تدخل حقيقي ولا سلطة على الحي العريق ده 

.

نرجع لقصر هليوبوليس (فندق هليوبوليس وقتها)  اللي كان بيضم وقت افتتاحه  أكتر من 400 حجرة فندقية بالاضافة إلى 55 شقة خاصة مفروشة بأثاث فاخر من طرازي لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر ، وكذلك قاعات بالغة الضخامة، واللي من كتر جماله وفخامته ، أطلقت عليه الصحف الغربية وقتها لقب"تاج محل الصحراء" نسبة لقصر تاج محل في الهند ، واللي بقى هو المقصد الرئيسي لطبقة "الإليت" من أثرياء أوروبا وملوكها وامراءها ونبلائها من الوزراء والسفراء و كذلك من الباشوات الأتراك

بس مع الأسف عصر المجد والازدهار للفندق ده ما استمرش غير  أقل من 4 سنين فقط ، لأنه في عام 1914 وبسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى  وفرض الحماية البريطانية على مصر ،  استولت بريطانيا على القصر وحولته لمستشفى عسكري بريطاني لعلاج الجنود البريطانيين وحلفائهم، و رجعت وكررت نفس الحكاية دي عند قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، ومع تخفيف التواجد العسكري البريطاني في القاهرة ، رجعت ملكية القصر لورثة البارون إمبان (البلجيكي) مرة أخرى 

.

بس لازم نعرف ان بلجيكا وقتها ماكنتش دولة “شيك” زي ما بيتسوّق لها دلوقتي، دي كانت دولة استعمارية تقيلة، غارسة أنيابها في إفريقيا، وخصوصا الكونغو ، ويكفي أن نعرف ان الدولة الشيك الصغيرة دي تسببت في قطع أيدي 8 مليون مواطن كونغولي أغلبهم من الأطفال ، لأنها كانت بتتبع سياسة شديدة القسوة مع العمال والعبيد الكونغوليين اللي بيشتغلوا في المناجم وفي الغابات اللي كانت بلجيكا بتستخرج منها المطاط الطبيعي 

المهم ، سنة 1961، العالم صحي على جريمة بشعة ، وهي اغتيال المناضل الإفريقي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب في الكونغو، ورمز الاستقلال حقيقي  فيها ، بتحريض وبتمويل وبتخطيط من بلجيكا… وبمباركة أمريكية قذرة.

وباتريس لومومبا ده أيقونة الحركات المطالبة بالاستقلال من  الاستعمار البلجيكي، بعد أن أسس الحركة الوطنية عام ١٩٥٨، واللي كانت أقوى الحركات السياسية في الكونغو، وحظى لومومبا بشعبية واسعة وقاد مظاهرات ومواجهات ضد الاستعمار البلجيكي أدت إلى اعتقاله لمدة ستة أشهر، ثم تم الافراج عنه لإنجاح المفاوضات التي كانت تجري في بروكسل لبحث مستقبل الكونغو

ومع زيادة التحركات الشعبية المطالبة بالاستقلال وتحت الضغوط الشعبية الهائلة ، اضطرت بلجيكا لإجراء أول انتخابات داخل الكونغو (اللي وقتها كان اسمها زائير) وفاز حزب لومومبا بالانتخابات بأغلبية ساحقة ، وهنا حاولت بلجيكا انها تلتف على النتيجة الكارثية دي وانها تسند الحكم لحليفها العميل جوزيف أليو، ولكن الضغط الشعبي أجبرها على تكليف لومومبا بتشكيل الحكومة، وبالفعل تشكلت أول حكومة كونغولية منتخبة في ٢٣ يونيو ١٩٦٠، وقام ملك بلجيكا "بودوان" بتسليم الحكم رسميا لرئيس الحكومة المنتخبة "لومومبا"،  لكن أثناء حفل التسليم حصلت أزمة سياسية كبرى ، لأن لومومبا ألقى -في حضرة ملك بلجيكا- خطابا عنيفا سُمي بخطاب (الدموع والدم والنار)، اتكلم فيه بحماسة  عن معاناة الكونغوليين وذكر كل اللي اتعرضوا له من ظلم واضطهاد ، وهو ما أثار غضب البلجيك اللي اعتبروه اهانة شخصية للملك بتاعهم 

فكان القرار بضرورة التخلص من الشخص المزعج ده وتصفيته 

وبالفعل ، تمت الاطاحة بلومومبا بعد دعم بلجيكي لحركة انفصالية قادها عميلهم الانفصالي  "تشومبي" ، حاكم اقليم كاتنجا ، وتم إعدام لومومبا ، و لم يكتفي تشومبي بإعدامه رميا بالرصاص ، ولكن قام بإذابة جثته في الأسيد (حمض الكبريتيك المركز)  حتى لا يصبح له أي قبر أو ضريح يلتف حوله الناس  

.

وهنا بقى ، و في الزمن اللي كانت فيه دول كتير عاملة نفسها عمياء، طلع جمال عبد الناصر بموقف واضح وصريح ، وقال بكل وضوح ان اللي حصل في الكونغو ده جريمة استعمارية لا يمكن السكوت عليها 

و بالفعل اتحرك عبد الناصر بسرعة وخد قرار سيادي من العيار التقيل ، فقرر تأميم كل الممتلكات البلجيكية في مصر 

ومنها طبعا  قصر وفندق هليوبوليس

و عبد الناصر كان قاصد ان الرسالة توصل للغرب وبلجيكا بشكل مباشر وقوي ، وانه يربط بين التحرر الإفريقي والسيادة المصرية

بلجيكا شاركت في قتل رمز إفريقي ، ومصر عبد الناصر بتعتبر نفسها رمز للتحرر من الاستعمار ، فكان طبيعي جدا إن النفوذ البلجيكي يتحاسب ويتسحب من تحت رجله كل شبر أرض وكل أصل جوه مصر

.

ومن اللحظة دي قصر هليوبوليس ما بقاش فندق أوروبي ، ولا استثمار أجنبي ، ولا قطعة من مدينة معمولة للأجانب ، بعد ما لتم ضمه لرئاسة الجمهورية وبالتالي بقى قصر جمهوري ، وشاهد على لحظة كسر أنف الاستعمار من دولة قررت تقول للاستعمار والغطرسة “لأ”.

.

طيب اسم الاتحادية ده جه منين ؟

بعد تأميمه أُطلق على قصر هليوبوليس اسم "قصر العروبة" ، واتاخد قرار إن القصر يبقى مقر للاتحادات والتنظيمات السياسية القومية

وفي يناير 1972 ، يعني في عهد  الرئيس الراحل أنور السادات ،  ظهر مشروع وحدوي لم ير النور كثيرا وطواه النسيان بسرعة ، والمشروع ده كان اسمه (اتحاد الجمهوريات العربية)، واللي كان بيضم  "مصر وسوريا وليبيا " ، فكان من الطبيعي والمنطقي انه يتم اختيار القصر ده بالذات ليكون مقرا لهذه الوحدة الوليدة اللي مع الأسف تم وأدها في مهدها 

ومن هنا جه الاسم اللي كلنا نعرفه بيه حاليا .. “الاتحادية”

لأنتاريخه في عهد الجمهورية  ارتبط بفكرة الاتحاد والقومية العربية

ورغم تغيّر العهود والروساء ،  لكن اسم "الاتحادية"  فضل من غير تغيير ، لأن  الاسم كان خلاص التصق بيه وا ترسّخ في الوعي العام كمقر سيادي

وبقى قصر “الاتحادية” هو مقر الحكم و مركز القرار في مصر بسبب المناضل الكونغولي باتريس لومومبا

اخبار أخري

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الراي المصرية