مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :علي التركي عدد المشاهدات : 62 مشاهدات
لماذا كان حضور مصر في دافوس ضرورة لا مجاملة - جريدة الراي
بقلم د / احمد عبده
في عالمٍ لم يعد يمنح الدول ترف الغياب، يصبح الحضور المحسوب فعلًا سياديًا لا مجرد مشاركة بروتوكولية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة حضور مصر في منتدى دافوس باعتباره مجاملة دبلوماسية أو ظهورًا شكليًا، بل كضرورة فرضتها لحظة دولية شديدة الاضطراب، تعاد فيها صياغة موازين القوة، وتُراجع فيها خرائط النفوذ والاقتصاد معًا.
دافوس لا يوزّع أموالًا، ولا يمنح وعودًا جاهزة، لكنه يحدد من يبقى داخل دائرة الاهتمام العالمي، ومن يُترك خارج الحسابات. هو منصة تُبنى فيها الثقة قبل أن تُوقّع الاتفاقات، وتُرسم فيها صورة الدول في عقول المستثمرين وصنّاع القرار قبل أن تنعكس على المؤشرات والأرقام. ومن هنا، جاء الحضور المصري رسالة واضحة: الدولة تدير أزماتها بعقل بارد، ولا تسمح للأزمات أن تديرها.
اقتصاديًا، جاءت المشاركة في توقيت بالغ الحساسية. العالم يعيش حالة إرهاق اقتصادي، ورأس المال بات أكثر حذرًا، لا يبحث عن الأرباح السريعة بقدر ما يبحث عن الاستقرار طويل الأمد. وفي هذا السياق، لم يكن الخطاب المصري وعدًا بازدهار فوري، بل شرحًا واقعيًا لمسار صعب اختارته الدولة لتفادي سيناريوهات الانهيار. الرسالة لم تكن إنكارًا للألم، بل تأكيدًا أن ما تمر به مصر عبور قاسٍ، لا سقوطًا حرًا.
العائد الاقتصادي الحقيقي لمثل هذه المنصات لا يُقاس في لحظته، بل في ما يتركه من أثر على صورة المخاطر، وعلى نظرة المؤسسات الدولية، وعلى استعداد المستثمرين لإعادة فتح الملفات المؤجلة. حين يسمع العالم خطابًا واضحًا عن الإصلاح، وعن موازنة الاستقرار الاجتماعي مع متطلبات الاقتصاد، تتغير لغة التقييم، وتتحول الدولة من حالة قلق إلى شريك يمكن التفاهم معه.
سياسيًا، حمل الحضور المصري قيمة لا تقل أهمية. ففي عالمٍ يميل للصدام والاستقطاب، اختارت مصر لغة التوازن والتهدئة، وقدّمت نفسها كدولة ترى أن الاستقرار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبقاء النظام الدولي نفسه. هذا الخطاب، وإن بدا هادئًا، إلا أنه يمنح مصر موقعًا متقدمًا كطرف عقلاني قادر على الحوار، ووسيط محتمل في إقليم شديد الحساسية.
كما أن الرسالة لم تكن موجهة للعالم فقط، بل للإقليم أيضًا. فمشاركة مصر في هذا المحفل الدولي تؤكد أنها ليست معزولة، ولا محاصرة، ولا تتحرك من موقع ضعف، بل من موقع دولة تدرك تعقيدات اللحظة، وتراهن على الصبر الاستراتيجي بدل المغامرة. وفي السياسة، كثيرًا ما يكون الصبر أداة قوة لا علامة تراجع.
في المحصلة، لم يكن دافوس مكسبًا يُقاس بالأرقام السريعة، بل اختبارًا للحضور، وإدارة الصورة، وحماية القرار الوطني في زمن تتآكل فيه سيادة دول كثيرة تحت ضغط الأزمات. ومصر، رغم كل التحديات، لا تزال داخل معادلة الدول التي تُحسب، لا تلك التي يُتجاوز عنها.
قد لا يكون هذا زمن الحصاد، لكنه زمن تثبيت الموقع. ومن يعرف مسار الدول، يدرك أن من ينجح في تثبيت قدميه في لحظة الاضطراب، يكون الأقدر على التقدم حين يعود العالم إلى قدر من الهدوء.
وما زلنا نؤمن…
أن الأوطان لا تُقاس بما تكسبه سريعًا،
بل بما تحافظ عليه طويلًا.