مسجله بالمجلس برقم 0191160
رئيس مجلس الادارة / وائل عبداللاه الضبع
نائب رئيس مجلس الإدارة د / اميره بلال
رئيس تحرير تنفيذى/ منى الطراوى
الناشر :ميلاد عبدالله عدد المشاهدات : 61 مشاهدات
الاتحاد الأوروبي يصنّف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”- جريده الراي
بقلم د / احمد عبده
في خطوة تاريخية تجاه طهران
لم يكن قرار الاتحاد الأوروبي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية مجرد إجراء قانوني أو عقابي عابر، بل خطوة سياسية ثقيلة الدلالة، تحمل في طياتها تحوّلًا واضحًا في مقاربة بروكسل للملف الإيراني، بعد سنوات من التردد والموازنة بين الضغط والعصا الدبلوماسية. القرار جاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، حيث لم تعد لغة البيانات والتحذيرات كافية لاحتواء سلوك يُنظر إليه أوروبيًا باعتباره مهددًا للاستقرار الداخلي والإقليمي على السواء.
الاتحاد الأوروبي، الذي طالما حاول أن يلعب دور الوسيط العقلاني بين طهران وواشنطن، يبدو اليوم وقد وصل إلى قناعة مفادها أن الحرس الثوري لم يعد مجرد ذراع عسكرية داخل الدولة الإيرانية، بل كيانًا عابرًا للحدود، متشابكًا في صراعات إقليمية، ومتهمًا بدور مباشر في قمع الداخل الإيراني، وهو ما جعل استمرار التعامل معه بصيغ سياسية تقليدية أمرًا فاقدًا للمصداقية أمام الرأي العام الأوروبي والمؤسسات الحقوقية.
هذا التصنيف يعكس أيضًا تحوّلًا في المزاج الأوروبي نفسه؛ فالتجربة الأوكرانية، وتداعيات الحرب، وتصاعد التهديدات الأمنية، دفعت أوروبا إلى إعادة تعريف مفهوم “التهديد”، ولم يعد محصورًا في الجغرافيا القريبة فقط، بل في أي فاعل يزعزع الاستقرار أو يتقاطع مع شبكات عنف وتأثير خارج الإطار القانوني للدول. من هذا المنظور، يصبح الحرس الثوري هدفًا مباشرًا لسياسة الردع الأوروبية الجديدة.
في المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا ومتوقعًا، حيث اعتبرت طهران القرار تصعيدًا غير مسؤول، وانحيازًا أعمى للسياسات الأمريكية، ومحاولة لدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر. لكن خلف هذا الخطاب الغاضب، يمكن قراءة قلق حقيقي داخل المؤسسة الإيرانية من تداعيات القرار، ليس فقط على مستوى العقوبات، بل على مستوى الشرعية الدولية والقدرة على الحركة السياسية والاقتصادية داخل أوروبا، التي كانت حتى وقت قريب نافذة تفاوض مهمة لطهران.
الأثر السياسي الأعمق لهذا القرار يتمثل في أنه يضيّق هامش المناورة أمام إيران، ويضعف خطابها القائم على الفصل بين الدولة ومؤسساتها العسكرية، كما يفتح الباب أمام خطوات لاحقة قد تشمل تشديد العقوبات أو توسيع دائرة العزلة الدبلوماسية. وفي الوقت ذاته، يبعث برسالة واضحة إلى الداخل الإيراني مفادها أن ما يجري لم يعد شأنًا داخليًا معزولًا عن الحسابات الدولية.
إقليميًا، يضيف القرار الأوروبي طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد شرق أوسطي متخم بالأزمات، حيث تتداخل الرسائل السياسية مع التهديدات العسكرية، وتصبح كل خطوة محسوبة بميزان دقيق بين الردع والانفجار. أما دول المنطقة، فهي تراقب المشهد باعتباره مؤشرًا على مرحلة جديدة من الاصطفافات الدولية، قد تعيد رسم خطوط النفوذ والتأثير خلال الفترة المقبلة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، ولا عن التحولات في العقل السياسي الأوروبي نفسه. إنها خطوة تعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى، مرحلة لم تعد فيها أوروبا تكتفي بدور الشاهد القَلِق، بل تحاول أن تكون لاعبًا مباشرًا في معادلة الردع والضغط. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تدفع هذه الخطوة نحو كبح التصعيد أم تُسرّع من وتيرة المواجهة؟ الإجابة، كما التاريخ دائمًا، ستكتبها الأيام… لكن الثابت أن الصمت الأوروبي قد انتهى، وأن السياسة حين تفقد صبرها، تغيّر لغتها.